الآلوسي

93

تفسير الآلوسي

وقرأ ورش في رواية أبي الأزهر بهمزة واحدة على مثال الخبر ، والظاهر أنه على حذف همزة الاستفهام ، وقوله تعالى : * ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصمُونَ ) * إبطال لباطلهم إجمالاً اكتفاءً بما فصل في قوله تعالى : * ( إن الذين سبقت ) * وتنبيهاً على أنه مما لا يذهب على ذي مسكة بطلانه فكيف على غيره ولكن العناد يعمى ويصم أي ما ضربوا لك ذلك إلا لأجل الجدال والخصام لا لطلب الحق فإنه في غاية البطلان بل هم قوم لد شداد الخصومة مجبولون على المحك أي سؤال الخلق واللجاج ، فجدلاً منتصب على أنه مفعول لأجله ، وقيل : هو مصدر في موضع الحال أي مجادلين ، وقرأ ابن مقسم * ( جدالاً ) * بكسر الجيم وألف بعد الدال ، وقوله تعالى : * ( إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِىإِسْرَاءِيلَ ) * . * ( إنْ هُوَ ) * أي ما عيسى ابن مريم * ( إلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْه ) * بالنبوة وروادفها فهو مرفوع المنزلة على القدر لكن ليس له من استحقاق المعبودية من نصيب ، كلام حكيم مشتمل على ما اشتمل عليه قوله تعالى : * ( إن الذين سبقت ) * ولكن على سبيل الرمز وعلى فساد رأي النصارى في إيثارهم عبادته عليه السلام تعريضاً بمكان عبادة قريش غيره سبحانه وتعالى ، وقوله تعالى : * ( وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً ) * أي أمراً عجيباً حقيقاً بأن يسير ذكره كالأمثال السائرة * ( لَبني إسْرَائيلَ ) * حيث خلقناه من غير أب وجعلنا له من أحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ونحو ذلك ما لم نجعل لغيره في زمانه ، كلام أجمل فيه وجه الافتتان به وعليه ، ووجه دلالته على قدرة خالقه تعالى شأنه وبعد استحقاقه عليه السلام عما قرف به إفراطاً وتفريطاً ، وقوله سبحانه : * ( وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلَائِكَةً فِى الاَْرْضِ يَخْلُفُونَ ) * . * ( وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا ) * الخ تذييل لوجه دلالته على القدرة وأن الافتتان من عدم التأمل وتضمين للإنكار على من اتخذ الملائكة آلهة كما اتخذ عيسى عليهم السلام أي ولو نشاء لقدرتنا على عجائب الأمور وبدائع الفطر لجعلنا بطريق التوليد ومآله لولدنا * ( منْكُمْ ) * يا رجال * ( مَلَائكَةً ) * كما ولدنا عيسى من غير أب * ( في الأَرْض يَخْلُفُونَ ) * أي يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم أو يكونون خلفاً ونسلاً لكم ليعرف تميزنا بالقدرة الباهرة وليعلم أن الملائكة ذوات ممكنة تخلق توليداً كما تخلق إبداعاً فمن أين لهم استحقاق الألوهية والانتساب إليه سبحانه وتعالى بالبنوة ، وجوز أن يكون معنى لجعلنا الخ لحولنا بعضكم ملائكة فمن ابتدائية أو تبعيضية و * ( ملائكة ) * مفعول ثان أو حال ، وقيل : من للبدل كما في قوله تعالى : * ( أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ) * ( التوبة : 38 ) وقوله : ولم تذق من البقول الفستقا أي ولو نشاء لجعلنا بدلكم ملائكة يكونون مكانكم بعد إذهابكم ، وإليه يشير كلام قتادة ومجاهد ، والمراد بيان كمال قدرته تعالى لا التوعد بالاستئصال وإن تضمنه فإنه غير ملائم للمقام ، وقيل : لا مانع من قصدهما معاً نعم كثير من النحويين لا يثبتون لمن معنى البدلية ويتأولون ما ورد مما يوهم ذلك والأظهر ما قرر أولاً . وذكر العلامة الطيبي عليه الرحمة أن قوله تعالى : * ( إن هو إلا عبد ) * ( الزخرف : 59 ) الخ جواب عن جدل الكفرة في قوله سبحانه : * ( إنكم وما تعبدون ) * ( الأنبياء : 98 ) الخ وإن تقريره إن جدلكم هذا باطل لأنه عليه السلام ما دخل في ذلك النص الصريح لأن الكلام معكم أيها المشركون وأنتم المخاطبون به وإنما المراد بما تعبدون الأصنام التي تنحتونها بأيديكم وأما عيسى عليه السلام فما هو إلا عبد مكرم منعم عليه بالنبوة مرفوع المنزلة والذكر مشهور في بني إسرائيل كالمثل السائر فمن أين تدخل في قولنا : * ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ) * ( الأنبياء : 98 ) ثم لا اعتراض علينا أن نجعل قوماً أهلاً للنار وآخرين أهلاً للجنة إذ لو نشاء لجعلنا منكم ومن أنفسكم أيها الكفرة ملائكة أي عبيداً مكرمون مهتدون وإلى الجنة صائرون كقوله تعالى : * ( ولو شئنا لآتينا كل